الدارونية والماركسية


الدارونية بنكهة ماركسية

"عندما تؤدلج السياسة مسارات العلم"


يقول تشارلز ليون Charles A. Leone: "لا يمكن للعلم أن يبقى حرًا في نظام اجتماعي يسعى للتحكم بكل الحياة الفكرية والروحية لأمة من الأمم، ولا يمكن مطلقًا أن يتم الحكم على صحة نظرية علمية بناء على استعدادها لتقديم أجوبة توافق رغبة القيادة السياسية".

عاشت أوروبا توجهاً عاماً نحو جعل كل شيء ميكانيكياً وتجريبياً، وسعى المشتغلون بالدراسات الإنسانية -وبالأخص علم النفس- والمجتمع للوصول إلى علم يوازي الفيزياء، من حيث الخضوع للقياس والضبط، ومن ثم العمل على إعادة تشكيل البشر ومجتمعاتهم، وأول من بدأ تناول العلوم الاجتماعية بطريقة مادية صِرفة: "أوجست كونت"، لدراسة الإنسان كما ندرس النبات والحيوان، وأطلق عليها مصطلح (الفيزياء الاجتماعية)، فنظرَ إلى الظواهر الاجتماعية بطريقة العلوم الأخرى، وقسمها إلى ديناميكيا اجتماعية واستاتيكا اجتماعية، ولكنه اعترف لاحقاً بأن الظواهر الاجتماعية معقدة، فتخلى عن مسمى الفيزياء وأعاد تسميتها باسم علم الاجتماع Sociology، ثم جاء "كارل ماركس" وأسس على ما وضعه علماء الاجتماع قبله ووضع رؤاه الخاصة مؤسسا للفلسفة الماركسية، فحلل المجتمعات البشرية وطرح فكرته التي ترمي إلى تفكيكها وإعادة تشكيلها وفق إطار نظري حتمي استمد له مفهوم الحتمية الاجتماعية والتاريخية من الحتمية الفيزيائية الكلاسيكية، بحيث تصل المجتمعات بتطورها إلى ما اعتبره الوضع المثالي (الشيوعية)، وكان ماركس قد تأثر بأفكار نظرية دارون وقد اطلع صديقه "إنجلز" على (أصل الأنواع) 1959م، وأرسل إليه ثناء على كتاب دارون، ثم بعد عام رد ماركس الرسالة إلى إنجلز قائلاً "إن كتاب دارون يقدم لنا أساس التاريخ الطبيعي المبني على نظرة مادية للعالم"، وبعد عام كتب رسالة إلى صديق آخر مؤكداً أن كتاب دارون يقدم أساساً في العلم الطبيعي للصراع الطبقي " Darwin’s work is most important and suits my purpose in that it provides a basis in natural science for the historical class struggle."

وبعد إعادة قراءة أصل الأنواع لمرة ثانية كتب ماركس "لقد أذهلني دارون لأنه استطاع أن ينقل أفكار مالتوس إلى النباتات والحيوانات أيضاً"، وقد أرسل ماركس إلى دارون يستأذنه بكتابة إهداء له في بداية كتاب (رأس المال)، ولكن الأخير اعتذر منه لأنه رأى بوادر معركة ثقافية جديدة لا يريد خوض غمارها، وأرسل له نسخة من الطبعة الثانية "إلى السيد تشارلز دارون من معجبه المخلص كارل ماركس".

وقد اعتبرت الفلسفة الماركسية المجتمع البشري مادة مرنة قابلة للتعديل، ورسمت لها إطارًا متخيلًا لتطورها السابق وخارطة طريق للتطوير المطلوب أو التطور الحتمي، وقد لوث العلماء اليساريون معظم العلوم التاريخية بمصطلحاتهم المؤدلجة، كمصطلح الإنسان البدائي والمجتمعات البدائية، ومنهم على سبيل المثال جون ديزموند برنال John Desmond Bernal صاحب كتاب (العلم في التاريخ)، الذي دمج الفلسفة الماركسية مع العلم حتى حوت كتاباته العلمية مدحاً للاشتراكية وذماً للرأسمالية، وبخلاف التصور الماركسي لتطور المجتمعات البشرية القديمة أكد البحث أن المجتمعات توصف بالأمية وليس بالبدائية بمعنى أن ما ينقصها العلوم وليس العقل، فلا يوجد عقل إنساني بدائي غير قادر على المحاكمة الدقيقة، ومن ناحية أخرى اعتبر الفكر الماركسي عقل الإنسان ووعيه لوحًا فارغا إلا من الانعكاسات الحياتية الضرورية وبرر لهم ذلك مطامح تغيير الوعي وتشكيل العقل الإنساني وفق شروط تفرض عليه للوصول إلى الحالة المثالية بزعمهم، وكان من مشاريعهم في بداية الحقبة السوفيتية تفكيك الأسرة كوحدة اجتماعية -متخلفة- حتى تعمدوا توظيف الرجل وزوجته في مدينتين مختلفتين! ثم تراجعوا عن ذلك لما أدركوا حجم العقبات.

ومن ثمار التجربة الماركسية المحاولات الحثيثة لاستئصال الدين والمتدينين كنوع من التطوير للمجتمعات، وكذلك الأخذ بوجهات نظر علمية توافق الفلسفة الشيوعية المعتمدة رسميًا، وهو ما نتناوله باختصار في هذا المقال...

ففي المجال العلمي البيولوجي تم تبني الصيغة اللاماركية من نظرية دارون التي تقول بتوريث سهل للصفات المكتسبة وتم رفض علم الوراثة المندلية واضطهد كل من اعتقد أو عمل به عشرات السنين، وبالمقابل نجد أن العلماء في بقية العالم غير الماركسي امتلكوا الحرية لإعادة صياغة الدارونية القديمة ودمج المندلية ضمنها في محاولة للقفز فوق عقبات علم الوراثة.

تروفيم ليسينكو
أصبحت قصة تروفيم ليسينكو Trofim Lysenko في الاتحاد السوفيتي نموذجًا مدرسيا لحالات التدخل السياسي العقائدي في مسار العلم، فعالم النبات ليسينكو الذي عينه جوزيف ستالين مديرًا للبيولوجي، وامتلك تفويضًا من ستالين بحيث بات كل رأي يقدمه يؤخذ كعقيدة رسمية للدولة والحزب، وقد رفض ليسينكو علم الوراثة الذي أسسه مندل ومورغان ووصفه بأنه علم غريب وغير عملي ومثالي ومنتج برجوزاي رأسمالي، واعتمد علم بديل يعتمد اللاماركية الجديدة كصيغة للتطور، ومحور اللاماركية أن الصفات المكتسبة في أجساد الأباء يرثها الأبناء تلقائيًا، وكانت في بدايتها فكرة مقبولة لأنها انتشرت قبل معرفة علم الوراثة والطفرات بشكل واضح، ولم تنتشر هذه الفكرة بالطبع باسم اللاماركية في الاتحاد السوفيتي لأن "لامارك" ينتمي لطبقة أرستقراطية لا يرغب الشيوعيون بنسبة أي فضل لها، وهكذا تم اعتماد نفس الفكرة اللاماركية مع نسبتها إلى عالم النبات والوراثة السوفيتي إيفان ميتشورين Ivan Mitchurin، الذي اشتهر بتحسين وتهجين أشجار الفاكهة وذلك بعد وفاته في 1935م، ثم وصفت الفكرة لاحقاً بمذهب الليسينكوية الذي تقبلته الحكومة الماركسية في الاتحاد السوفيتي بسرور وحماس لأنه وافق ما تهواه وتسعى إليه في فلسفتها الماركسية من هندسة وإعادة بناء طوبيا اجتماعية شيوعية هي الحالة المثالية الحتمية، وهذا التوجه السياسي العقائدي يرفض وجود الثبات في الوراثة Hard Herdity، وهو ما فرضته الفكرة المندلية وبالمقابل يتقبل الفكر الماركسي بشكل أفضل اللاماركية بصيغتها الليسينكوية التي تسمح بإحداث تغيرات سريعة ونقلها إلى الأجيال الجديدة، وهكذا بناء على أفكار الوراثة المرنة التي تسمح بنقل صفات مكتسبة سريعة ظن السوفيت أن بإمكانهم إجبار النباتات والحيوانات -بل والمجتمع السوفيتي والإنساني كذلك- على تقبل تطورات سريعة محدثة تخدم متطلبات عملية، ومن ثم يستمر وجود هذه التغيرات في الأجيال التالية، وهذه الفكرة التي انتقلت إلى الصين الشيوعية وغيرها، ونجد صداها في أكثر من بلد يساري كبولندا إذ كانت "الليسينكوية" ترى كجزء أصيل من "الواقعية الاشتراكية".

منشور رسمي يظهر تأثر العالم بعلم الوراثة السوفيتي الجديد!
Imperial bureau of plant breeding and genetics

أكبر مجاعة في التاريخ ثمرة السياسة الماوية في الصين:
قامت حكومة "ماو" الصينية بفرض سياسات غير واقعية في الزراعة لرفع الإنتاجية، كاعتماد الزراعة المتقاربة close planting، ففي بداية إنتاش الحبوب يعتمد النبات على ما تختزنه الحبة من المغذيات ولكنه في مرحلة لاحقة يعتمد على التربة حوله وبسبب وجود النباتات قريبة جداً من بعضها كانت النتيجة فشل الزراعة، وأثمرت هذه السياسات المفروضة من الحكومة الماركسية المركزية في الصين أكبر مجاعة عرفها التاريخ بين عامي 1958م و 1962م، وصورت الحكومة الشيوعية الفشل في البداية كإنجاز! وقد مات في هذه المجاعة أكثر من ثلاثين مليون صيني، ووثق المؤلف جاسبر بيكر Jasper Becker في كتابه الأشباح الجائعة Hungry Ghosts تفاصيل هذه الكارثة الإنسانية.

انتحار العالم الألماني كاميرر Paul Kammerer:
أحد العلماء المتحمسين لفكرة إحداث تغييرات في الحيوانات أو توجيه التطور مباشرة وفق طريقة لاماكية، وقد قام بأبحاث عدة منها بحث على نوع من العلاجم midwife toad، وادعى أنه قد أحدث تغيرًا فيه يجعله يعكس بعض خصائص التكاثر عنده، مما يجعله أقرب لسلف له يتكاثر في الماء، ولكن بعد طلب أحد العلماء فحص الأدلة التي احتفظ بها كاميرر لسبع سنوات، اكتشف العالم الآخر في عام 1926م أن كاميرر قد عدل النتائج باستعمال الحبر الهندي، فأرسل كاميرر رسالة إلى أكاديمية موسكو للعلوم يلقي فيها باللوم –بتحسين- النتائج على أحد مساعديه ثم انتحر.

كيفية تصوير حادثة انتحار كاميرر في الدولة الشيوعية:
كعادة الماركسيين يجب أن يتم إلقاء اللوم على الشيطان الذي يعرفونه وهو "الرأسمالية"، فقام المسؤول عن الأفلام في الاتحاد السوفيتي بإعادة إنتاج قصة كاميرر، فلم يتحدث عن عالم شاب يعيش في مدينة أوربية مركزية ويخصص هذا العالم الشاب كل وقته الفائض لمساعدة عامة الناس، وقدم بحثه حول السلمندر دليلاً مباشرًا على وراثة الصفات المكتسبة، ولكن أسقف كاتدرائية المدينة يسمع ببحث العالم الذي يثبت وراثة الصفات المكتسبة، فيعرف أن هذا الدليل سيهدد سلطة الكنيسة، فيجتمع مع أمير البلدة الذي كان على صلة بهنري فورد! وهكذا اجتمعت الأرستقراطية والكنيسة والرأسمالية في مؤامرة على العالم الشاب الذي أثبت أن الصفات المكتسبة يتم توريثها، وتمت المؤامرة بتعيين الأمير كمساعد للعالم في مختبره، ثم يتسلل الأمير ليلاً إلى مختبر العالم ليحقن الحيوانات بالحبر الهندي، وهكذا عند عرض نتائج البحث للعموم يتسرب الحبر الهندي من العلاجم إلى الماء ويحرج العالم ويطرد من عمله، وينتهي به الأمر إلى التسول في الطرقات بصحبة قرد كان يستعمله في المختبر لإجراء التجارب، ثم ينتقل -الفيلم- إلى مرحلة جدية، حيث تصل مساعدة للعالم من الاتحاد السوفيتي، ولما رأته وهو على وشك الانتحار أخذته معها مباشرة بالقطار إلى موسكو، حيث طلبت مساعدة السلطات، وقدم مسؤول التعليم المساعدة اللازمة للعالم الشجاع، كما استقبله جمع من الفلاحين في أرض الحرية "الاتحاد السوفيتي"!

كانت رؤية علماء البيولوجي في الاتحاد السوفيتي لإمكانية توريث الصفات واثقة جدا، لدرجة أن بعضهم تبجح بمقدرتهم على زراعة أشجار الفاكهة باتجاه الشمال الأكثر برودة، حتى تحدوا أنهم سيزرعونها في القطب الشمالي، وقد تأثر بعض من درس في الاتحاد السوفيتي بهذه البروبغاندا والعنجهية الإلحادية، من الحديث عن التحكم التام بالطبيعية، وادعى ليسينكو -وكان قبل رئاسته لأكاديمية لينين للعلوم مختصًا بالنباتات- أنه أستطاع تغيير نوع من القمح الربيعي إلى قمح شتوي خلال بضع سنوات، وبالطبع فهذا الأمر غير صحيح لأن القمح الربيعي له زوجين من الصبغيات في حين أن القمح الشتوي له ثلاث أزواج من الصبغيات، وربما حدث خطأ في تجربته، ولكن ليسينكو كان يملك نفوذًا مستمدًا من مكانته في الحزب الشيوعي وأكاديمية لينين، بحيث لا يمكن لأحد الرد عليه، وفي عام 1948م سيطر ليسينكو على علم البيولوجي بصورة مطلقة، عندما أعلن في خطاب ساعده ستالين –شخصيًا- في صياغته أنه يرفض أبحاث مندل في الوراثة، وأن من يؤيد أبحاث مندل هم أعداء الشعب السوفيتي، ثم طُرِدَ العلماء الذين خالفوا رأي ليسينكو واضطهدوا واختفى بعضهم من الوجود، وبعد ذلك اكتشفت النتيجة الطبيعية للبيولوجيا السوفيتية، حيث تعطلت الزراعة وظهرت سلسلة من الإخفاقات في المحاصيل الزراعية، ثم حصل نقص في الأغذية مما دفع الاتحاد السوفيتي إلى طرد ليسينكو في عام 1965م وكان قد فقد جزءاً من سلطته بموت ستالين 1953م.

في مقابل التخريب العلمي الذي تم في الاتحاد السوفيتي تقدم العلم في بقية العالم، حيث لا توجد قيود سياسية وأيديولوجية على عمل العلماء كما حدث في الدولة الماركسية اليسارية، وختامًا تجدر الإشارة إلى أن البيولوجيين السوفيت كانوا قد نجحوا في تعديل تجريبي لبعض النباتات، ولكنهم وقعوا في المبالغة واتباع الهوى والإصرار بتكبر على الخطأ، واليوم تعود اللاماركية من جديد باعتدال في أبحاث "فوق المورثات" epigenetics بصيغة علمية معتدلة تجعل المورثات والبيئة عاملين فاعلين في صفات الكائن، ولكنهما متكاملين وغير حتميين!

المراجع:
1- Charles A. Leone, "Lysenko versus Mendel," Transactions of the Kansas Academy of Science, 1952.

2- Willy Ley, Salamanders and Other Wonders: Still More Adventures of a Romantic Naturalist, The Viking Press, New York, 1955.

3- Willy Ley, Salamanders and Other Wonders: Still More Adventures of a Romantic Naturalist, The Viking Press, New York, 1955.

4- "The International Workshop on Lysenkoism", Harriman Institute, Columbia university, December 5, 2009.

5- Hungry Ghosts: Mao's Secret Famine, Wikipedia.

6- Richard Weikart (1999), "Socialist Darwinism: evolution in German socialist thought from Marx to Bernstein", International Scholars Publications.

من مجلة "براهين" العدد الثالث
www.braheen.com


أفكار وذكريات - 1

بعد سنين مضت على استعمالي للانترنت منذ 2001 وصلت لجملة من القناعات والخبرات بعضها كان تعزيزا لما كنت أعرفه وبعضها كان جديدا

ضياع الفرصة الذهبية
كنت أرى أن الإنترنت فرصة ذهبية لا تقل قيمتها عن اكتشاف الطباعة، وأن مسألة الاستفادة منها لجسر الثغرة المعرفية والتقنية أمر حيوي يغفل عنه معظم الناس، واليوم زادت قناعتي بأن هذا الوضع هو هو ، لم يتغير بل صار لمحاولات الاستفادة من ميزات التواصل والنشر والترجمة حالة غثائية تشبه زبد السيل ... لعل أكبر تجلياتها أن يكتب عن فوائد شرب الكحول واقتناء الكلاب والتصالع مع الشواذ صفحات ومجموعات ترفع لواء العلم، وأتذكر بحسرة أحلامي البريئة القديمة عن اسستغلال الشبكة لنهضة علمية قادمة، واحسرتي المريرة.

إيقاظ روح القطيع
من أكثر ما أفلحت به الشبكة حقيقة أنها أيقظت روح القطيع في شتى البلاد عربها وعجمها، وصارت الناس تقودها الغرائز العمياء، وكم رفعت الشبكة من سفلة تقربوا للعامة وكم أبعدت من عقلاء  حكماء عن ساحة التأثير.

مصيدة الذباب
تحولت الشبكة بفعل عملية سوداء خبيثة إلى مصيدة كبرى للتلاعب بالناس واستقطاب المتطرفين وسوقهم بغفلة إلى حتف أعد لهم ولغيرهم، ويحسبون أنهم على شيء !

الحرمان الحضاري
لا زالت مصادر المعلومات القيمة محجوبة - وهو أمر يجهله كثير من الناس - ولا يصل إليها معظم العالم العربي بل صارت كثير من الأبحاث يمنع عنها من له جنسية محددة أو يطلب لبعض الأبحاث الأخرى موافقة خاصة ، في الوقت الذي يجتر أشباه الأساتذة بقايا معلومات يقدمونها لطلابهم، هذه الحالة من الحرمان تضاعفت تحت مسميات كثيرة منها المقاطعة ، الأمن ، الاستعمال المزدوج ... إلى آخره، وربما نصل لمرحلة يكون فيها نصف العلم الأكثر أهمية محرما على العرب والمسلمين.

الفحش والتوحش
سمحت الشبكة للناس أن يروا كل فاحشة وكل جريمة نكراء، فقست قلوبهم وغلبت عليهم شهوة الجنس وحمية وغضب الجهل وشاع فيهم ضيق الأفق

 الروبيضة المغرور
سهولة الانتشار وسوء التربية جعل كل شخص صغير مغمور راغبًا في حصد الصدارة وكسب الاتباع، وما أكثر هؤلاء واسهل أن يجمع الناس حوله في مجموعة أو صفحة ثم ينتفخ ولم يبق إلا أن يدعي النبوة بعد أن تجاوز برأيه العلماء

السكوت الذهبي أم القاتل
أمام ما ذكرت من أمور يضاف لها تربص العدو وخوف إثارة الخلاف يغلق الإنسان فمه أو يقمع لوح مفاتيحه ، ثم يجد أنه ينحر أفكاره ولعل لها في الأرض مستقر ينفع ....

الوضع القانوني للطب الشعبي

منذ فترة طويلة لاحظت أهمية وجود القوانين الناظمة للطب الشعبي ولكن للأسف هنالك تياران متطرفان يتجاذبان المسألة تيار جاهل او طامع وتيار ناقد بغير بصيرة، ففي الوقت الذي تضع فيه منظمة الصحة العالمية خطة من عام 2002 إلى 2005 كأول استراتجية عالمية للطب الشعبي ويضع الاتحاد الأوربي ممثلاً بهيئاته الصحية العديد من القوانين الناظمة للتعامل بممارسات الطب البديل وطب الأعشاب غير ما تضع الدول الأوربية بشكل منفرد من قوانين وإجراءات وما يصدر من كتب علمية وأبحاث، وفي الطرف الأمريكي تعمل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية على استصدار ما يلزم من نظم عامة وخاصة لهذا الأمر ومنها القانون الذي وقع في عهد بل كلنتون للمتممات الغذائية.

وما خلف الستار ثلاث أمور رئيسية : العلم ، الصحة ، التجارة
ولكن المواقف أيضاً ترتبط بالموقف الديني فالمتدين غالباً ما يعطي الطب الشعبي قيمة مشتقة من تدينه كما أن الفئات والدول الأقل تدينا هي الأكثر بعداً عن الاعتراف بهذا المنحى في العلاج، فمثلاً نجد كوبا من الدول التي ترفض تقنين الطب الشعبي في حين أن المانيا دولة تعتبر نموذجية في وضع القوانين والنصوص الناظمة له.

 ولعل أهم ما يلزمنا ان نلقي نظرة على الاستراتجية التي وضعتها منطمة الصحة العالمية فهي ترسم لنا خارطة طريق لمن يريد أن يأخذ من خير الطب الشعبي ويكتفي شره.

بدأت الوثيقة التي تتكون من قريب من سبعين صفحة بتعرف للطب الشعبي ونظرة في أسباب انتشاره وتطرقت إلى الحالتين المتطرفتين حياله من شك مفرط إلى ثقة عمياء، ثم وصفت دور المنظمة المتوقع.
1- نظرة عن الطب الشعبي
2- التحديات
3- دور منظمة الصحة العالمية
4- الموارد الوطنية والدولية للطب الشعبي
5- الاستراتجية وخطة العمل بين 2002 و2005

وتحت هذا العنوان الأخير نجد بيت القصيد ما هي الاستراتجية المقترحة

أولاً - السياسة ومحورها دمج الطب الشعبي مع نظام الرعاية الصصحية
ثانياً - السلامة والنجاعة والجودة وذلك بنشر قواعد استعمال الطب الشعبي والإرشادات
ثالثاً - الإتاحة والتيسير وذلك بالنشر وتخفيض الكلفة وبالأخص للسكان الأكثر فقراً
رابعاً - ترشيد الاستعمال بترشيد المقدمين للخدمات الطبية الشعبية ومستخدميها

 

تأملات في مدارك العلوم

استمعت بالصدفة لدرس يتناول كتاباً لزكريا الأنصاري بشرح الزركشي بخصوص العلم وماهيته.

وكان محور الدرس عبارة رئيسية:

مدارك العلوم ثلاثة : حس وخبر ونظر
وربط المتحدث الكلام بكلمة لمالك بن نبي المفكر الجزائري بأن هنالك ثلاثة عوالم

عالم الأشياء وعالم الأحداث وعالم الأفكار
وهذا التقسيم جيد ومفيد فقد وجدت الكثير من الشباب اليافع على الإنترنت لا يفرق بين هذه المجالات من المعلومات وأن ما يستدل به تاريخياً يختلف عما يستدل به تجريبياً.

وعلى هامش الحديث نذكر أن هذا التفريق يفيدنا في حل جملة منازعات فكرية لا زالت قيد التداول في المناظرات والحوارات المعاصرة ذات الصبغة الدينية واللادينية، فمعرفتنا بالفرق بين إثبات الحادثة وإثبات الفكرة وتحليل الشيء المادي كمناهج مستقلة وإن تداخلت في جزئيات منها يفيد في تحرير مكان الخلاف وتوضيح أين نتفق وأين نختلف ، ومن ذلك أيضاً الفرق بين آلية العمل والمسبب الرئيسي فمعرفتنا لكيفية عمل محرك لا يعني أن ننكر أن هنالك مهندساً صممه وميكانيكياً ركبه.

وفي كتاب إلحادي يقول المؤلف "إن وجود حديقة جميلة لا يعني أن هنالك جنيات تحتها" وأجاب على ذلك عالم رياضيات مشهور: أكيد وجود الجنيات مشكوك به ولكن وجود صاحب الحديقة والبستاني أمر مؤكد !

وهذه قضية مفاهيمية يكثر الخوض فيها إن معرفتنا لكيفية عمل الأشياء ليس بديلاً عن معرفتنا بسبب وجود الأشياء ، فلو حلل مجموعة من كبار العلماء قالب الحلوى الذي صنعته الجدة فسيكتشفون مكوناته وطريقة خبزه ونسبة المكونات ودرجة النضج له وفوائده أو مضاره الصحية ولكن جواب "لماذا صنعت الجدة هذا القالب من الحلوى؟" هو أمر يخرج عن نطاق كل علم من العلوم المعاصرة وهو أمر لا نعلمه إلا بإخبار من الجدة وهذا الإخبار بحد ذاته هو مصدر المعرفة الرئيسي هنا رغم أنه لا يخضع لتقييم العلم الذي حلل الحلوى وعرف مكوناتها،،أي أنه لا يخضع لتقييم مباشر من العلم التجريبي  بل يخضع مصدر معرفة أخر هو إخبار يتقبل تقييم العقل والمنطق فمثلاً هنالك إخبار مقبول وإخبار مرفوض فلو ان الجدة قالت هذا القالب قد صنع لنحتفل به في العيد أو لنقدمه لفلان ونحن نعلم بوجود عيد قريب أو وجود فلان فخبر الجدة عن لماذا صنعت الحلو مقبول، ولكن خبرها سيرفض لو قالت صنعته لتقديمه لرجال المريخ مثلاً لأننا لا نعرف لهم وجوداً فمجرد الإخبار منها ليس كافياً بمعزل عن العقل والتقييم المنطقي وإن كان لا يخضع للتقييم التجريبي كمصدر أساسي لمعرفة لمن صنعت الحلوى.

وهذا مقدمة لنعرف أن وجود معلوماتنا في مجالين هما عالم الغيب وعالم الشهادة لا يعني أن أدوات إثبات هذا تطابق أدوات ذاك ،

ولا أن عدم إمكانية استخدام أدوات عالم الشهادة في إثبات الغيبيات يؤدي إلى الحكم بأن كل الغيبيات خرافات، فهنالك خرافات كابتلاع القمر من العفاريت التي كان الأوربيون يصدقونها وهنالك غيبيات مثل حادثة شق البحر الموسى عليه السلام،

كما أن نشأة الكون غيب ولكنا نتقبلها بالاستنتاج العلمي من أثرها في انزياح الضوء الأحمر والخلفية المكروية وليس بالدليل التجريبي المباشر،

وخبر الأنبياء نتقبله كفرع عن تصديقنا بالنبوة والقرآن وفق منهج نقدي يحلل النص وطريقة وصوله إلينا وقد عمل عليه عشرات آلاف العلماء من قبل حتى تركوا لنا مقياساً نقدياً لإثبات ونفي الأخبار بالإضافة للمقاييس اللغوية والمنطقية الأخرى.

لماذا الأدوية الأساسية ؟

الأساسيات الكافية لكل أمر لكل أمرٍ أساسٌ لا يستغني عنه أو حدٌ أدنى لا يقومُ إلا به، وتأمينُ أساسيات وأصول أي أمر يعطي مردوداً أفضل في تغطية حاجات الإنسان على اختلاف أنواعها، سواءٌ أكانت هذه الحاجات ماديةً أم معنوية، علمية أم غريزية، دينية أم دنيوية؛ ففي اللغات نجد أنَّ معرفةَ 300 كلمةٍ أساسية من اللغة الإنكليزية تكفي لتغطية ثلاثة أرباع الاستخدامات الضرورية، أما دينياً فتركُ المحرماتِ وأداءُ الفرائضِ يكفى لفلاح المرء الصادق، وترك الكبائر من الذنوب أساسُ النجاة، وترك صغائرها رفعةٌ وكمال للإنسان، وأما الغذاء فتناول بضعة أصنافٍ أساسية ومتوازنة من الطعام تكفي لتغطية غالب ما يحتاجه الإنسان، وعندما يصعب على الحاسوب متابعةُ العمل يكتفي بالبرامج الأساسية في الوضع الآمن، أما العلاج الدوائي - وهو بيت القصيد في هذا الكتاب - فقد ثبت أن 300 إلى 400 نوع من الأدوية تكفي لتغطية 90% من حاجات السكان، وأصبح من المسلمات الطبية أولوية الالتزام بمبادئ الرعاية الصحية الأولية، ومنها توفير الأدوية الأساسية واللقاحات الضرورية، قبل الانشغال بغيرها من الإجراءات الصحية. وهذا الأمر يأخذ أهميةً خاصة في البلدان النامية عموماً والفقيرة منها خصوصاً، ولا يستغني عنه أيُّ بلدٍ في العالم، فالقصْدُ مطلوبٌ في كل الأمور ولجميع البشر، وهو كما نعلم مقاربةُ الأمور دون غلوٍ أو تفريط ، وهو محمودٌ في حالة الغنى، وضروريٌ في حالة الفقر.


مفهومَ الأدوية الأساسية يرتبطُ بجملة من الأمور

فهو أحدُ مكونات الرعاية الصحية الأولية

وركنٌ رئيسي من أركان السياسة الصحية بعامة والدوائية بخاصة

وعليه مدار ترشيد استخدام الدواء

وباعتماده نتمكن من إتاحة الدواء للمرضى

يستعمله القطاع العام للتزود بالأدوية

ويفيد الصناعة كموجه لإنتاج الدواء المحلي

وهو مرجعٌ للتأمينات الصحية

كما يعد من مواضيع التعليم والتدريب الطبي النافعة

ويرتبط بمنظمة الصحة العالمية والعديد من برامجها ولجانها ومنشوراتها

وأخيراً هو مفهوم لا تحبذه الشركات الدوائية العملاقة لأنه يقلل من بيع الكثير من أدويتها.

 
موسوعة العلوم العربية